نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» في عددها الصادر يوم الجمعة 12/6/2009 تحليلا متعمقا للأزمة التي يحياها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بعد ان وضعته ادارة اوباما في الزاوية وحاصرته او حاصرت خلفياته الايديولوجية من خلال مطالبتها اياه اولا بقبول حل الدولتين وتحديدا اقامة الدولة الفلسطينية لأن اسرائيل قائمة بالفعل منذ العام 1948 وثانيا بوقف النشاطات الاستيطانية التي يريد لها نتانياهو ان تتواصل حتى لا يبقى سنتيمتر مربع واحد من الاراضي الفلسطينية خاليا من الاستيطان.
التحليل توصل الى استنتاج بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي لن يمتثل لأي من الطلبين الاميركيين ليس فقط لأن ائتلافه اليميني المتطرف، وزراء ونوابا يعارضون بكل قوة اقامة الدولة الفلسطينية ووقف الاستيطان بل لأن نتانياهو نفسه يرفض ايديولوجيا وجود دولة فلسطينية بجوار اسرائيل وهذا موقف يقول التحليل ان نتانياهو لن يتحول عنه الى ان «ينام الحمل او الخروف آمنا بجوار الذئب» - وفقا لكاتب التحليل اي حتى يأتي مسيح اليهود، وبعبارة اخرى ان قيام الدولة الفلسطينية من وجهة نظرة لن يتم ابدا.
واهمون هم الذين يراهنون على تحول الدب الى حمامة سلام واشك اصلا بأن هناك من يراهنون على حدوث هذه الخارقة للطبيعة، فالفكر اليميني التوراتي يعتبر ان اسرائيل لم تقم عام 1948 وانما انبعثت من جديد بعد الفي عام وبالتالي فان الالفي عام هذه ممسوحة من الذاكرة الاسرائيلية مكانا وزمانا وسكانا وهم ينظرون الى فلسطين كلها على انها مجرد ارض يهودية وكل ما هو غير يهودي فيها بما في ذلك السكان الفلسطينيون وقراهم ومدنهم وكل حضارتهم وطابعهم في حكم غير الموجود. هم لا يرون الا ما هو يهودي او من صنع اليهود ومن هنا فالضفة الغربية هي ارض للاستيطان حتى لو كان يعيش عليها مليونان من الفلسطينيين يعتبرونهم كالاشباح وليسوا بشرا في رأيهم، انه تجاهل الواقع عن عمد وشطب للوجود الفلسطيني ذهنيا وفعليا والتعامل معه على انه في حيز العدم.
والا فكيف نفسر او يفسر العالم الهجمة الاستيطانية على الاراضي الفلسطينية في اعقاب حرب 1967 ووجود 125 مستوطنة في الضفة (عدا تلك الموجودة في القدس) هذا مع العلم ان من يقطع المسافة من القدس الى تل ابيب ومن القدس الى بئر السبع او الى حيفا يرى مساحات شاسعة من الارض الخالية من العمران؟ لماذا لم تبن هذه المستوطنات داخل الخط الاخضر؟ السبب هو ان داخل الخط الاخضر مضمون اما خارجه فكل مستوطنة مكسب وكل عام يمضي هناك مستوطنات ومكاسب اضافية ما دام العالم يقف ساكنا ولا يتحرك ازاء تفريغ الارض الفلسطينية من سكانها بشكل ممنهج ومستمر ووفقا كما يبدو لمخططات مرسومة مسبقا.
الغريب ان اعلامنا ومسؤولينا يقعون في فخ المصطلحات السياسية التي تبثها الة الدعاية الاسرائيلية فهم يطالبون بوقف النشاط الاستيطاني ولا يقفون ليؤكدوا ان الاستيطان كله والمستوطنات الكبيرة والصغيرة والكتل والبؤر الاستيطانية كلها غير شرعية مما يشكل تراجعا حتى عن الحد الادنى الذي نصت عليه اتفاقيات اوسلو، فقد اختار الفلسطينيون السلام استراتيجيا ولكن على اساس حدود عام 1967 وليس بناء على زحف استيطاني متواصل منذ العام 1967 والاسرائيليون المعتدلون انفسهم - وهم قلة - يعتبرون الاستيطان امرا غير طبيعي وغير انساني ولا يرضاه الاسرائيليون لانفسهم فكيف يرضونه لشعب آخر وهم الذين يدعون انهم لا يريدون ان يحكموا شعبا اجنبيا (مقالة لاري ديرفنر في «القدس» يوم 12/6/2009).
والجديد والعجيب في الوقت ذاته ان يردد البعض ولو على سبيل الرفض مقولة «تلبية احتياجات الزيادة الطبيعية في المستوطنات» فما دامت المستوطنات كلها غير شرعية وفقا للمنظور الوطني الفلسطيني اولا، وقرارات الشرعية الدولية ومواقف كافة دول العالم ثانيا فكيف يمكن التحدث عن شرعية توفير مساكن لابناء اولئك الذين يقيمون في مستوطنات غير شرعية اصلا ثم هل ضاقت اسرائيل بما رحبت ولم تعد 78٪ من ارض فلسطين التاريخية كافية لتلبية احتياجات المستوطنين وذراريهم حتى يتم تلبية هذه الاحتياجات على 22٪ من الارض الفلسطينية التي تطلع موقعو اوسلو وضامنو الاتفاقية الى جعلها دولة فلسطينية خلال 5 سنوات؟
ولماذا يحرص المسؤولون الاسرائيليون على تلبية احتياجات الزيادة الطبيعية للمستوطنين على حساب اراضي القرى الفلسطينية المجاورة للمستوطنات ويتجاهلون احتياجات الزيادة الطبيعية للفلسطينيين ولاسيما في القدس العربية؟ لا احد يعترض على تلبية احتياجات الزيادة الطبيعية لليهود في اسرائيل نفسها وليس على اراضي الغير كما ان على السلطات الاسرائيلية ان تعترف باحتياجات الزيادة الطبيعية للفلسطينيين في القدس وهي التي لم توفر لاي فلسطيني بيتا يسكنه وانما تجعل من الصعب على المقدسيين الحصول على رخص بناء لاقامة بيوتهم بجهودهم الذاتية ومن عرق جبينهم.
الفلسطينيون يريدون السلام العادل وقبلوا كل مبادرات السلام العربية والدولية وكل التفاهمات والرؤى دون استثناء ودون تحفظ ونفذوا التزاماتهم بموجب تلك المبادرات والخطط بل انهم ذهبوا بعيدا الى حد انهم تجاوزوا كل خطوطهم الحمراء الداخلية لكن الطرف الاخر هو الذي لا يريد السلام العادل لانه وببساطة يريد الارض الفلسطينية ولا يعتبر الفلسطينيين بشرا عاديين بل هم في نظره اشباح لا تعيش ولا تأكل ولا تشرب ولا تتكاثر وليس لها زيادة طبيعية وهذه هي المشكلة الحقيقية والعقبة الكبرى امام تحقيق السلام العادل.
الطرف الاخر يعيش بعقلية الرفض وانكار وجود الفلسطينيين وهناك سؤال يطرح نفسه: اذا كان اليمين الاسرائيلي يطالب الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية اسرائيل فهل هو مستعد للاعتراف بفلسطينية او عروبة الضفة الغربية انهم يعتبرونها جزءا من ارض اسرائيل الكبرى التي تشمل حسب زعمهم حتى الان الاردن وسيناء وربما جنوب لبنان والجولان بطبيعة الحال.
كيف السلام مع نتنياهو وائتلافه اليميني الذي يؤيد التوسع الاستيطاني بلا حدود وهو يدرك ان اي توسع لاي مستوطنة سيكون على حساب اراضي القرى الفلسطينية المجاورة وسيؤدي الى تحويل الفلسطينيين في الضفة الغربية الى اقلية بمرور الوقت وسط بحر من المستوطنين الذين يمتصون مواردهم ويحولون دون نمو الاقتصاد الفلسطيني خصوصا القطاع الزراعي؟
هذا السؤال يفترض ان يجيب عليه المجتمع الدولي والقوى الدولية الراعية لعملية السلام وهي تشاهد الحقائق الاستيطانية الزاحفة بلا هوادة على الاراضي الفلسطينية .
ونحن بانتظار الجواب.