الأربعاء الماضي، اي قبل ايام معدودة من القاء خطابه في جامعة بار ايلان، التقى بنيامين نتنياهو الكاتبين الاسرائيليين دافيد غروسمان وايال مغاد. قيل ان رئيس الوزراء كان يسجل ملاحظات الكاتبين في دفتره الشخصي. غير ان نتائج هذه اللقاء لم تظهر في الخطاب، الذي اراده رئيس الوزراء الاسرائيلي ردا على خطاب الرئيس الامريكي باراك اوباما في جامعة القاهرة، او انها ظهرت، ولكن بشكل تبريري، بحيث تحولت البلاغة غطاء لمواقف تطيح احتمالات السلام الضئيلة، او تجعل منها غطاء لاستسلام شامل، يجعل من فلسطين مجرد بانتوستان، داخل دولة تمييز عنصري اسمها اسرائيل.
قد نقول ان هناك تطورا ما بدأ يدخل في الحياة السياسية في المنطقة. بلاغة الرئيس الامريكي، استدعت ركاكة رئيس الحكومة الاسرائيلي، كأن هناك قواعد جديدة للعبة فرضتها شخصية اوباما، وأحد عناصر هذه اللعبة، هي البلاغة.
لا اريد ان اسأل الكاتبين الاسرائيليين ماذا قالا لنتنياهو، او بماذا اجابهما، فأنا اعتقد ان الكاتب لا يستطيع ان يكون مستشارا او مشيرا، خصوصا مع رئيس حكومة فاشي النزعة. غير ان يسارية بعض الكتاب الاسرائيليين، تمتزج بانتمائهم الصهيوني، وهو انتماء يقلل من منسوب يساريتهم، لأنه يجعلهم في موقع التبرير، حتى في مواقفهم النقدية من ممارسات الاحتلال.
غير ان المسألة، تتخذ اليوم بعداً يتجاوز السياسة، والصراعات الاقليمية، بالمعنى المتعارف عليه. اذ ان الخطاب الاسرائيلي المهيمن يزداد اصولية ثقافية، ويتصادى في شكل مباشر مع الخطاب الذي يجسده الرئيس الايراني احمدي نجاد، الى درجة ان الخطابين يتكاملان في شكل مدهش. نجاد ينكر الهولوكست، ونتنياهو ولفيفه ينكرون النكبة. وفي الانكارين حمق وقرار بتحويل الحرب خيارا دائما لا هوادة فيه ولا هدنة حقيقية.
عام 1949 سادت هدنة طويلة بين الاسرائليين والجيوش العربية. وكان فكر الهدنة الذي قاده بن غوريون يستند الى ضرورة القبول بموازين القوى في انتظار لحظة الانقضاض الملائمة. لكن بعد انقضاض 1967، اختارت اسرائيل منطق الحرب الدائمة عبر مشاريع تهويد القدس، وافتراس الضفة الغربية بالمستوطنات.
خطاب نتنياهو تأكيد لمنطق الحرب الدائمة، لكنها حرب من طرف واحد، لأن العرب خاملون، ولأن الفلسطينيين منقسمون وعاجزون.
خطاب اوباما في جامعة القاهرة كان محاولة لجسر الهوة بين ضعف الحق وقوة الباطل عبر البلاغة. بلاغة الرئيس الامريكي، على الرغم من هزائم بلاده العسكرية، وازمتها الاقتصادية الطاحنة، تحمل في داخلها عناصر قوة مستمدة من الكاريزما الشخصية التي يتمتع بها من جهة، ومن موقع بلاده، التي لا تزال تحتل زعامة العالم من جهة ثانية.
غير ان البلاغة لا تكفي، وهذا ما عبّر عنه نتنياهو في شكل واضح. استخدم البلاغة كي يلهو بها، ولم يكلف نفسه عناء بذل اي مجهود لإخفاء نواياه الحقيقية. فهو متمسك بأرض الأجداد، اي بالخليل، ولن يتخلى عن القدس، ويرفض الاعتراف بحق اللاجئين، ويريد من الدولة الفلسطينية ان لا تكون دولة، ويطلب من الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولته، متنكرا لمسؤولية هذه الدولة عن مأساتهم، بل مبطنا نية طرد ما تبقى من الفلسطينيين في بلادهم، عبر مشروع ليبرمان بالتبادل السكاني، اي الترانسفير الفلسطيني.
هل نحن امام مشكلة سياسية، يمكن ان تجد لها حلا في المفاوضات؟ ام نحن امام مشكلة تاريخية تأخذ المنطقة الى كوابيس الحروب التي لا افق لها؟
من الواضح ان اليمين الاسرائيلي ليس على استعداد للتقدم خطوة واحدة، كما ان اليسار، الذي يشارك في الحكومة، باع نفسه لشيطان فتات السلطة، كما مزّق قناعه اليساري، الذي حاول من خلاله اخفاء عنصريته.
خطاب نتنياهو دليل على ركاكة الاحتلال، لكنها ركاكة تحتمي بمنطق القوة، وصلف العنصرية. فالخطاب، الذي يستخدم في العادة، من اجل التبليغ والاخفاء في الآن نفسه، لم يعد يلعب هذا الدور في اسرائيل اليمينية. صار هدف الخطاب اللغو، واظهار البراعة اللفظية، والتحصّن خلف روح القبيلة.
كي تفهم او تتفهم خطاب رئيس الحكومة الاسرائيلية عليك ان توافق مسبقا، على ان فلسطين ملك للاسرائيليين واليهود نتيجة وعد ديني! اي عليك ان تتعامل مع الاسطورة بوصفها حقيقة تاريخية، وتبني سياستك على هذا الأساس! واذا جاء جواب اصولي آخر يقول بأن فلسطين وقف اسلامي، ترتفع صيحات اتهام العرب والمسلمين بالاصولية والتخلف. لكن الخطاب الاسرائيلي، حين يراهن على قبول العالم اصولياته، ورفضه اصوليات الآخرين، يكون كمن يلحس المبرد. لأن الدفع في اتجاه جعل التاريخ ابنا للأسطورة، لن يقود الا الى بحار من الدم، ولن يعطي الأمن لأحد في المنطقة.
هذه اللعبة البلاغية الركيكة، تستطيع ان تعربد وتملأ الدنيا ضجيجاً لسبب واحد، هو ركاكة الواقع العربي وغياب الخطاب الفلسطيني. والى ان يستفيق العرب من اغماءة الاصنام والمومياءات التي تحكمهم وتتحكم بهم، فإن المنطقة سوف تبقى اسيرة ركاكة خطاب المحتل وقوته المتوحشة.