الحوار الوطني ـ كتب راغب شاهين ـ تقطعت به السبل و تكالبت عليه المحن والخطوب منذ أن ولد فلسطينياً وحتى يومنا هذا، فريد محمود دكة ألقى به الزمان على عتبات سفارة فلسطين في القاهرة علها تشكل طوق النجاة له ويأتي من أروقتها حل قضيته مع الحكومة العراقية ببغداد.
1974 عامٌ حمل فريداً بعيداً عن مخيم جباليا في قطاع غزة، لتحط به الرحال في بلاد الرافدين المطهَّرة بأجساد أولياء الله الصالحين، والمباركة برفات ذوي الحظوة من آل البيت، وبدأ مشوار حياته بالعمل في مديرية الموارد المائية هناك، علَّ عاصمة الرشيد تضمد إلى حين أحزاناً لطالما أتخمته بها سنون قضاها تحت نير الاحتلال، وكعادة الفلسطينيين تغلبت الإرادة في ذاته على كل ماعداها وتدرج في مهامه الوظيفية وكان خير مثالٍ للإنسان المكافح.
فريد عاش مع العراقين و بينهم الحياة بحلوها و بمرها..عاد فريد للوطن عديد المرات، وكان يعبر في كل مرة عن مدى حبه لأهل العراق، واصفاً إياهم بأهل الغيرة والنخوة والكرامة، وكان يفخر بالعيش بين ظهرانيهم.
شاء القدر أن يمتلك فريد منزلاً صغيراً في بغداد وإن كان لم ولن يغنه يوماً عن ذاك الذي هجره قسراً في الوطن، إلا أن سعادته لم تكن توصف حين امتلكه، ولكن ذات القدر أبى أن يشطر الأرض بين الفلسطيني والمحتل فلا يصل أحدهما الآخر، حين اجتاحت قوات الاحتلال الأمريكية العراق واستباحت كل ما هو مباح ولا مباح، ولسوء حظ فريد فإن منزله يقع في المنطقة الخضراء المغلقة أمنياً بالكامل، وعليه فقد توالت عليه العروض ومعها كل أنواع الضغوط والإغراءات من أجل أن يبيع هذه الدار، وكان رده لا يتغير، تلك الـ (لا) الكبيرة التي ينطقها الفلسطينيون حين يرفضون بيع أراضيهم أو دورهم في فلسطين، وبلغ الأمر بالمتهافتين على الشراء أن كتبوا ذاك الرقم الذي لا يستطيع العديدون رفضه، فبحسب فريد كان المبلغ (مليون دولار) وكان الرفض منه بسرعة رصاصات الاحتلال حين تهجر فوهات البنادق لتستقر في صدور أبنائنا، ليس رفضاً من أجل الرفض ولا طمعاً في صيدٍ أكبر أو ثمناً أعلى وأضخم، وإنما هي شهامة الفلسطيني وكرامته ووفاءه بالعهد والوعد، صورة مشرقة للتضامن العربي يرسمها فريد بالكلمات حين يقول، لم أشأ أن يشاع بأن الفلسطيني باع بيته لمصلحة أجنبي عدو للعرب، حفاظاً على كرامتي وسمعة وطني ووفاءً مني للعراق الذي احتضنني لثلاثة عقودٍ متتاليةٍ.
في العام 2006، قرر فريد زيارة الأهل في غزة، وبينما هو كذلك باغته قرار نزع ملكية داره منه، إثر عملية تزوير قام بها شخصان هما أميد عبد الرحمن وشقيقته نوران، بعد أن عرفا بأ نها مسجلة باسم فلسطيني لا عزوة تحميه ولا عشيرة.
فريد قد غدا اليوم شريد .. لا مأوى يظله ولا دار .. يستغيث ولا من مغيث .. ويستجير فلا يجار.. لكن من حفظ عهد العراقي وكرامته ولم يفرط في شبر من أرض العراق ويمكن منه غاصب محتل، يأبى بنفس القدر من الغيرة على الأرض والديار والتثبث بالحق بكل ما أوتي من قوة وإصرار .. أن يستسلم أو يستكين او يدع لليأس في نفسه قرار مكين .. نداء استغاثة مشفوع بكل ما يملك من وثائق وأوراق ثبوتية ومستندات، يرفعه فريد إلى الرئيس محمود عباس، ورئيس وزراء العراق نوري المالكي.. علهما يقرءان فيعطفان ويرحمان ليُرحمان .. ويعيدان لفريد حقه السليب وبيته المغتصب، فيجتثان نبتة شيطانية تكاد تغرق نفسه في طوفان مرارة ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.