في زمن يكثر فيه الحديث عن مطالب الأمة العربية و ثبوت موقفها تجاه الصراع العربي الإسرائيلي و يكثر فيه سعي إسرائيل للتطبيع مع العالم العربي بشتى أشكاله دون التخلي عن الحقوق الفلسطينية و العربية المغتصبة، جاء بيان اتحاد كتاب مصر العربية خلال الأسبوع الماضي ليؤكد رأي شريحة هامة بالمجتمع العربي ويؤكد رأي طبقة المفكرين و المثقفين و الكتاب في وطن سجل رجاله صفحات مشرفة من المجد و النضال الطويل بطول الصراع الطويل و المرير، هذا الصراع الذي اوجد للقادة ومثقفي و مفكري هذه الأمة طريقا وحيدا، ألا و هو طريق النضال و الصمود و تعزيزه بكل الطرق الأدبية و الفكرية، و هنا كان لهذه الطبقة أسلوبها في توجيه البوصلة الوطنية نحو تحرير الأوطان و الخلاص من المحتل الغاشم .
لقد كان لهذا الجسد الفكري كلمة و موقف في كل زمان و حدث و كانت الكلمة اليوم برفض التطبيع مع الكيان الصهيوني عبر البيان العام للاتحاد، ولهذا معني لابد وأن يفهمه الجميع و يعي ما يعبر عنه هذا الموقف الوطني العربي الأصيل و يعني أن النضال سيستمر إلى أن يحصل جميع أبناء الأمة العربية على حقوقهم المغتصبة .
عندما أتفق المجلس بإجماع أرائه على تأكيد موقف الاتحاد الثابت من قضية التطبيع و هو الموقف الذي كان الاتحاد سابقا قد أصدره و بالاتفاق مع مواقف النقابات المهنية في مصر و التي ترفض التعامل مع هيئات إسرائيلية مماثلة و حتى ترفض المشاركة بأي لقاءات تكون فيها إسرائيل ممثلة رسميا، عبر هذا الاتفاق بكلمة واحدة و موقف و احد عن صورة وطن يرفض التأقلم مع إسرائيل لأنها مازالت دولة حرب تسعي إليه أكثر من سعيها للسلام و دولة تسعي لتقسم و إضعاف المنطقة العربية لضمان استمرار نهجها العدواني الاحتلالى، و اعتبر البيان أن التطبيع لن يحدث طالما أن قضية التسوية على حالها، فمنذ صدور القرار 1995 وحتى الآن و كتاب مصر يجددون موقفهم الرافض لأي شكل من أشكال التطبيع الثقافي و غير الثقافي مع إسرائيل مؤكدين التزامهم بقرار الجمعيات العمومية المتوالية و كافة النقابات المهنية في مصر، كما و أكد البيان على ضرورة فصل أي عضو من أعضاء الاتحاد يتعامل مع العدو الإسرائيلي .
لعل توقيت هذا البيان له أهميته في الوقت الحاضر و خاصة و أن المنطقة العربية تتفاعل بها كتلة من الحراك السياسي و خاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي اوباما و سعيه لاعتبار العالم العربي و الإسلامي مصدر التطبيع مع الكيان الصهيوني،و سعيه لتطبيق نظرية القبول لهذا الكيان على أساس الحق في العيش لكافة دول المنطقة بما فيها الفلسطينيين بالتساوي، و له أهميته خاصة و أنه تزامن مع زيارة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرتس للقاهرة بهدف البحث عن شكل من أشكال القبول و التطبيع و سعي دولته وراء العرب للاعتراف بها كدولة يهودية في المنطقة . إن كان هذا موقف اتحاد كتاب مصر العربية و النقابات المهنية بلفيفها و جمعها، فانه بالتأكيد موقف الشعوب و أشكال تكوينها الفكري و الثقافي و العقائدي، ليس في مصر وحدها و إنما بكافة دول المنطقة العربية بغض النظر عما تحاول القليل من بعض قيادات الحكومات العربية الوصول إليه عبر لقاءات سرية و علنية مع قادة هذا الكيان على هامش اللقاءات الدولية ، لكن موقف الشعوب دائما هو الموقف المؤثر في أروقة الساسة و فكرهم و توجهاتهم .
بالرغم من مرور أكثر من ثلاث عقود على اتفاقية السلام بين مصر و إسرائيل إلا أن حالة التطبيع بين البلدين لم تصل للدرجة التي تحلم بها إسرائيل، و لن تصل لذلك إلا بإنهاء الصراع و تنازل إسرائيل المارقة عن كافة الأراضي العربية المحتلة و حصول الفلسطينيين على حقوقهم الكاملة و قيام دولتهم المستقلة و عاصمتها القدس و إزالة كافة العوائق النفسية التي أوجدتها حروب إسرائيل، و بعد أن تبرهن إسرائيل و شعبها أنها كيان يستطيع العيش في سلام جنبا إلى جنب مع الفلسطينيين و الدول العربية.
إن موقف اتحاد كتاب مصر من الصراع موقف عربي أصيل يعتبر حقا وليس واجبا فقط لمساندة الحق العربي المغتصب، فلا يعني عقد اتفاقيات السلام و الحصول على أراضي لدولة ما الانسلاخ عن باقي القضايا العربية و مسايرة رغبة إسرائيل في التعامل مع قضايا الصراع بانفرادية تسقط مبدأ الموقف العربي الموحد،و خاصة و أننا نشهده اليوم مواقف عربية مبنية على المبادرة العربية المطروحة تعتبر مواقف جيدة لكنها غير كافية قياسا مع ما تمارسه إسرائيل على الأرض الفلسطينية، لذا يتطلب الموقف أكثر صرامة و موقف ضاغط على حلفاء إسرائيل لثنيها عن ممارساتها الاحتلالية و التوقف عنها فورا و البدء بمفاوضات تصل إلى حالة إنهاء للصراع يتحقق معه السلام الشامل .